◄ مصطفى مشهور.. مرشد الطائفية
◄ شكّل ركناً أساسيًا في الجناح العسكري للجماعة الذي أسسه حسن البنا
◄ بعد خروجه من السجن تولى تدريب الأعضاء على السلاح والمتفجرات
شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى بعد عام 3102 أدت إلى ظهور ما عُرف بـتيار العمل النوعى أو اللجان النوعية، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر، ومن أبرز القيادات الإخوانية التي تبنت استراتيجيات العنف محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجي وصفوت حجازي، فهؤلاء قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح ردًا على سقوط حكم الجماعة.
ولم يكن هذا جديدا على التنظيم الإخوانى، لأنه منذ نشأته على يد المؤسس والمرشد الأول حسن البنا كان يضم قيادات للجناح المسلح بالجماعة «النظام الخاص» الذى أسسه حسن البنا بنفسه.
ويُعد مصطفى مشهور أحد أهم قادة العنف بالتنظيم الإخواني الإرهابي، كما أنه من الوجوه التاريخية والمثيرة للجدل في مسيرة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، لُقب بـحارس الثوابت، ومهندس التنظيم، بسبب الدور المحوري الذى لعبه فى إعادة بناء الجماعة وتماسكها التنظيمى، كما يُنظر إليه باعتباره شخصية تكتيكية؛ فهو الذى حافظ على هيكل الجماعة من الانهيار بعد صدامات ستينيات القرن الماضى، كما أنه رسخ مفهوم السمع والطاعة داخل التنظيم الإخوانى، وظل حتى وفاته في عام 2002 ممثلاً للتيار القطبى (نسبة لسيد قطب) الذى يتبنى العنف داخل الجماعة، كما تأثر بشدة بمؤسس الجماعة حسن البنا، وانتقل إلى القاهرة للدراسة فى كلية العلوم، مما أتاح له القرب من المركز الرئيسى للجماعة، وتوطيد علاقاته بقياداتها.
ويُنسب له الفضل الأكبر فى وضع القواعد الهيكلية الحديثة للجماعة، فبعد وفاة المرشد عمر التلمسانى تولى مشهور أدواراً قيادية عليا، حتى أصبح المرشد العام الخامس للتنظيم خلال الفترة من 1996 إلى 2002، وكان له دور جوهري في ربط فروع الإخوان في الدول المختلفة تحت مظلة التنظيم الدولى، مستفيداً من فترات تواجده خارج مصر، خاصة فى الكويت وألمانيا فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
وكان مشهور معروفا بتركيزه الشديد على التربية التنظيمية، والولاء التام للقيادة، وكان يرى أن الجماعة تمر بمراحل تبدأ بالتعريف، ثم التكوين، وصولاً إلى التمكين، كما شكل ركناً أساسياً فى النظام الخاص"الجناح العسكرى للجماعة" الذى أسسه حسن البنا المؤسس والمرشد الأول للتنظيم للقيام بمهام قتالية واستخباراتية، وتلقى مشهور تدريبات عسكرية متقدمة، وأصبح من الكوادر القيادية فى التنظيم الإخوانى.
كما أدار مشهور التنظيم الإخوانى بعقلية المقاتل السرى؛ فحوله إلى حصن تنظيمى منيع شديد التماسك، لكنه فى المقابل جعلها جماعة منعزلة سياسياً وفكرياً، وضيَّق مساحات الاجتهاد داخلها، مما مهد الطريق لسيطرة التيار القطبى المتشدد على مفاصل الجماعة لعقود تلت وفاته.
كان مبدأ السمع والطاعة الأساس للبقاء بالتنظيم عندما أصبح مشهور مرشداً، حيث حوّل الجماعة من طابعها الدعوى والاجتماعى المرن الذى تميزت به فترة المرشد عمر التلمسانى إلى قالب عسكرى تنظيمى، وأصبح الولاء للقيادة والالتزام بالقرار التنظيمى فوق أى نقاش فكرى، كما تم تهميش التيار الإصلاحى داخل الجماعة الذى كان ينادى بالانفتاح السياسى، ليسيطر بدلاً منه تيار الثوابت الذى يقوده مشهور.
نتيجة لتجارب مشهور فى السجون وقضايا التنظيم السرى التى اتُهم فيها فى عامى 1948 و1965 سيطر الهاجس الأمنى على إدارته للتنظيم، مما جعل الجماعة أكثر انغلاقاً على نفسها، كما اعتمد على نظام الأسر الضيق لضمان عدم اختراق الأجهزة الأمنية للجماعة، كما كان يفضل إدارة الملفات الحساسة مثل التمويل والعلاقات الدولية عبر دوائر ضيقة جداً وموثوقة من رفاقه القدامى فى النظام الخاص.
ورغم أن سيد قطب كان منظِّراً فكرياً للعنف داخل الجماعة الإرهابية، إلا أن مصطفى مشهور كان صاحب تقنين هذا الفكر حركيا، لأن مشهور آمن بفكرة العزلة الشعورية عن المجتمع التى نادى بها قطب، وترجمها فى تربية أفراد الجماعة على أنهم جماعة من المسلمين فى مواجهة مجتمع جاهلى يحتاج لإعادة تقويم.
وركز مشهور فى إدارته للتنظيم الإخواني الإرهابي على التربية الصلبة التى تُعِد عضو الجماعة لتحمُّل السجن والمطاردة، وهو انعكاس مباشر للسنوات التى قضاها خلف القضبان.
كما استلهم مشهور فكرة الانتشار من النظام الخاص" الجناح العسكرى للجماعة" الذى كان يطمح للتمدد خارج الحدود، واستغل علاقاته القوية التى بناها أثناء منفاهم الاختيارى بالخارج ليجعل من التنظيم الدولى كياناً مؤسسياً يدعم المركز فى مصر مالياً وسياسياً، فقد كان يرى أن قوة الجماعة تكمن فى وجود أذرع لها فى كل مكان، وتعمل بنفس الانضباط والسرية.
وتجلت عقلية النظام الخاص− الرافضة للخروج عن القطيع التنظيمى− فى موقفه من مجموعة الشباب التى حاولت تأسيس حزب الوسط عام 1996، حيث رفض مشهور الفكرة تماماً، واعتبرها خروجًا على البيعة، وشقاً لصف الجماعة، وتعامل مع المنشقين بأسلوب الإقصاء التنظيمى.
كانت تصريحاته حول الجزية وموقف الأقباط من الجيش من أشهر مواقفه التى عكست فكر النظام الخاص، حيث كان ينظر للأمور بمنظور فقهى وحركى قديم، معتبراً أن الجماعة هى الكيان الأساس، وأن الدولة القائمة مرحلة مؤقتة.
كان مشهور من أبرز المتهمين فى قضية السيارة الجيب الشهيرة عام 1948، حيث تم ضبط سيارة تحتوى على خطط ووثائق وأسلحة تخص النظام الخاص، وحُكم عليه بالسجن لعدة سنوات، وتعتبر هذه القضية نقطة التحول التى كشفت الستار عن النظام الخاص (الجناح العسكرى للجماعة) أمام الدولة والمجتمع، ففى 15 نوفمبر 1948 اشتبه أحد رجال الشرطة فى سيارة جيب لا تحمل لوحات معدنية بمنطقة العباسية بالقاهرة، وعند محاولة استيقافها فر من فيها، وطاردهم البوليس حتى تم ضبط السيارة أمام منزل أحد أعضاء الجماعة، وأسفر تفتيش السيارة عن ضبط كميات ضخمة من المتفجرات، والأسلحة، والخرائط لمواقع حيوية، بالإضافة إلى وثائق تحتوى على أسماء أعضاء النظام الخاص وخطط لعمليات تفجير، منها خطط لتفجير محلات يهودية وعدد من دور العرض السينمائى.
وكان مشهور أحد الكوادر الشبابية الواعدة فى النظام الخاص آنذاك، كما كان ضمن المتهمين الرئيسيين فى القضية، فقد كشفت التحقيقات أنه كان من المشرفين على الجوانب الفنية والتدريبية داخل النظام الخاص، وأثناء المحاكمة اعترف مشهور بملكيته بعض الأوراق التى وُجدت بالسيارة، لكنه دفع بأن الغرض من السلاح كان المشاركة فى حرب فلسطين والدفاع عن البلاد، وليس القيام بعمليات داخلية، وحُكم عليه بالسجن لمدة 3 سنوات، وكانت هذه التجربة أول احتكاك قضائى له، حيث تعلم منها ضرورة الفصل التام بين العمل الدعوى العلنى والعمل التنظيمى السرى.
وإذا كانت قضية 1948 نقطة البداية للكشف عن النظام الخاص بتنظيم الإخوان الإرهابى، فإن تنظيم 1965المعروف بتنظيم سيد قطب كان مرحلة إعادة الإحياء للنظام الخاص بالجماعة الإرهابية، ولعب فيها مشهور دوراً محورياً من خلف الستار، فبعد ضربة 1954 الكبرى للإخوان بدأ بعض الشباب − الذين خرجوا من السجون أو الذين هربوا من ملاحقة الأمن لهم − فى محاولة إعادة بناء التنظيم بشكل سرى لمواجهة الدولة، ليشكل مشهور مع قيادات أخرى مثل أحمد عبد المجيد وعلى عشماوى ما عُرف بـاللجنة القيادية للتنظيم، وكان مشهور العقل المدبر للجانب العسكرى والأمنى، بينما كان سيد قطب المنظِّر الفكرى والموجِّه الروحى، وتولى مشهور الجوانب الحركية وتدريب الأعضاء على السلاح والمتفجرات وتأمين الاتصالات، حيث كان يؤمن بضرورة تكوين طليعة صلبة قادرة على حماية التنظيم فى حال تعرضها لأى هجوم جديد من الدولة، واتُهم مشهور فى هذه القضية بأنه المسئول عن وضع خطط لنسف قناطر مياه وجسور، واغتيال شخصيات عامة وفنانين، وقلب نظام الحكم بالقوة.
وتعتبر هاتان المحطتان" قضية السيارة الجيب 1948 وتنظيم 1965" الركيزتين اللتين شكلتا شخصية مصطفى مشهور كقائد أمنى وعسكرى داخل جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، حيث صبغتا أسلوبه بالسرية الشديدة والصرامة التنظيمية، فقد تم إلقاء القبض عليه فى أغسطس 1965، وصدر ضده حكم بالسجن بالأشغال الشاقة لمدة 10 سنوات، وكشفت اعترافات المتهمين فى قضية تنظيم 1965 أن مشهور كان من أكثر القيادات تشدداً وحرصاً على السرية، وكان يتبنى رؤية سيد قطب فى جاهلية المجتمع، وضرورة العزلة الشعورية والتنظيمية.
كما أن هاتين القضيتين جعلتا من مصطفى مشهور الشخصية الأكثر إيماناً بـالتنظيم الخاص، وعندما تولى منصب المرشد العام فى تسعينيات القرن الماضى أعاد صياغة الجماعة لتكون تنظيماً مغلقاً يعتمد على البيعة الصارمة، حيث استخدم خبراته من قضية السيارة الجيب عام 1948 وتنظيم 1965 لتأمين ممتلكات الجماعة وأموالها بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية، وظل وفياً لمدرسة سيد قطب المتشددة، معتبراً أن الابتلاء والسجن هما مصفاة لا يستمر بعدها إلا العناصر الأكثر صلابة، خاصة أنه قضى فترة طويلة فى السجون تصل إلى نحو 20 عاماً، وهى الفترة التى أسهمت فى بلورة رؤيته التنظيمية الصارمة، حيث كان يؤمن بأن السرية مفتاح بقاء الجماعة.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







